الآلوسي

127

تفسير الآلوسي

ما شاؤوا ، واللهو - كما قيل - صرف الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه ، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب ، وقد تقدم تفصيل الكلام فيهما فتذكر * ( وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) * شغلتهم بزخارفها العاجلة ومواعيدها الباطلة وهذا شأنها مع أهلها قاتلها الله تعالى تغر وتضر وتمر * ( فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ ) * نفعل بهم فعل الناسي بالمنسي من عدم الاعتداد بهم وتركهم في النار تركاً كلياً فالكلام خارج مخرج التمثيل ، وقد جاء النسيان بمعنى الترك كثيراً ويصح أن يفسر به هنا فيكون استعارة أو مجازاً مرسلاً ، وعن مجاهد أنه قال : المعنى نؤخرهم في النار ، وعليه فالظاهر أن ننساهم من النسء لا من النسيان . والفاء في قوله تعالى : * ( فاليوم ) * فصيحة . وقوله عز وعلا . * ( كَمَا نَسُواْ لقَاءَ يَوْمهمْ هَاذَا ) * قيل : في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي ننساهم نسياناً مثل نسيانهم لقاء هذا اليوم العظيم الذي لا ينبغي أن ينسى . وليس الكلام على حقيقته أيضاً لأنهم لم يكونوا ذاكري ذلك حتى ينسوه بل شبه عدم إخطارهم يوم القيامة ببالهم وعدم استعدادهم له بحال من عرف شيئاً ثم نسيه . وعن ابن عباس ومجاهد والحسن أن المعنى كما نسوا العمل للقاء يومهم هذا وليس هذا التقدير ضرورياً كما لا يخفى ، وذهب غير واحد إلى أن الكاف للتعليل متعلق بما عنده لا للتشبيه إذ يمنع منه قوله تعالى : * ( وَمَا كَانُوا بآيَاتنَا يَجْحَدُونَ ) * لأنه عطف على * ( ما نسوا ) * وهو يستدعي أن يكون مشبهاً به النسيان مثله . وتشبيه النسيان بالجحود غير ظاهر ، ومن ادعاه قال : المراد نتركهم في النار تركاً مستمراً كما كانوا منكرين أن الآيات من عند الله تعالى إنكاراً مستمراً . وقال القطب : الجحود في معنى النسيان ، وظاهر كلام كثير من المفسرين أن كلام أهل الجنة إلى * ( وغرتهم الحياة الدنيا ) * لا * ( إن الله حرمهما على الكافرين ) * ( الأعراف : 50 ) فقط . وقال بعضهم : إنه ذلك لا غير ، وعليه فيجوز أن يكون * ( الذين ) * مبتدأ وجملة * ( اليوم ننساهم ) * خبره ، والفاء فيه مثلها في قولك : الذي يأتيني فله درهم كما قيل . * ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابفَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * . * ( وَلَقَدْ جئْنَاهُمْ بكتَابفَصَّلْنَاهُ ) * بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة ، والضمير للكفرة قاطبة ، وقيل : لهم وللمؤمنين ، والمراد بالكتاب الجنس ، وقيل : للمعاصرين من الكفرة أو منهم ومن المؤمنين . والكتاب هو القرآن وتنوينه للتفخيم . وقد نظم بعضهم ما اشتمل عليه من الأنواع بقوله : حلال حرام محكم متشابه * بشير نذير قصة عظة مثل والمراد منع الخلو كما لا يخفى * ( عَلَى علْم ) * منا بوجه تفصيله وهو في موضع الحال من فاعل * ( فصلناه ) * وتنكيره للتعظيم أي عالمين على أكمل وجه بذلك حتى جاء حكيماً متقناً ، وفي هذا - كما قيل - دليل على أنه سبحانه يعلم بصفة زائدة على الذات وهي صفة العلم وليس علمه سبحانه عين ذاته كما يقوله الفلاسفة ومن ضاهاهم وللمناقشة فيه مجال ، ويجوز أن يكون في موضع الحال من المفعول أي مشتملاً على علم كثير . وقرأ ابن محيصن * ( فضلناه ) * بالضاد المعجمة ، وظاهر كلام البعض أن الجار والمجرور على هذه القراءة في موضع الحال من الفاعل ولا يجعل حالاً من المفعول أي فضلناه على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك ، وجوز بعضهم أن يجعل حالاً من المفعول على نحو ما مر ؛ وقيل : إن * ( على ) * للتعليل كما في قوله سبحانه : * ( ولتكبروا الله على ما هداكم ) * ( البقرة : 185 ) وهي متعلقة بفضلناه أي فضلناه على سائر الكتب لأجل علم فيه أي لاشتماله على علم لم يشتمل عليه غيره منها ، وقيل : إن * ( على ) * في القراءتين متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مفعول * ( جئناهم ) * أي جئناهم بذلك حال كونهم من ذوي العلم